فخر الدين الرازي
110
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
غير مضمونة . وعن بعض السلف أنها مضمونة ، روى الشعبي عن أنس قال : استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي ، فضمنني عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه . وعن أنس قال : كان لإنسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت ، فقال عمر : ذهب لك معها شيء ؟ قلت لا ، فألزمني الضمان ، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال : قال رسول / اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « لا ضمان على راع ولا على مؤتمن » وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان . المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه : العارية مضمونة بعد الهلاك ، وقال أبو حنيفة رضي اللَّه تعالى عنه : غير مضمونة . حجة الشافعي قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وظاهر الأمر للوجوب ، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها ، ورد ضمانها ردها بمعناها ، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين . ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام : « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة ، لكن العام بعد التخصيص حجة ، وأيضا فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون ، وأن المودع غير مضمون ، والعارية وقعت في البين ، فنقول : المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر ، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه ، بخلاف المودع ، فإنه أخذ الوديعة لغرض المالك ، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم ، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع . حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام : « لا ضمان على مؤتمن » . قلنا : إنه مخصوص في المستام ، فكذا في العارية ، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى . قوله تعالى : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً . وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الأمانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق اليه فهذا هو الأمانة ، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب لإنسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق ، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره ، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالأمانة أولا ، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق ، فما أحسن هذا الترتيب ، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط . المسألة الثانية : أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ والتقدير : إن اللَّه يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . وقال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] وقال : وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [ الأنعام : 152 ] وقال : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ ص : 26 ] وعن أنس عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت » وعن الحسن قال : ان اللَّه أخذ على الحكام ثلاثا : أن لا يتبعوا الهوى ، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس ، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا . ثم قرأ يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ إلى قوله : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى [ ص : 26 ] وقرأ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها